يموت الإنسان ألما وحسرة وهو يتأمل الأوضاع الكارثية والحالة المزرية التي تتواجد عليها المواقع الأثرية والمباني التاريخية بالريف، فالاهتمام بالتراث الثقافي والمعماري لا زال ضعيفا إن لم نقل منعدما. فعلى طول الريف وعرضه نكاد لا نجد موقعا أثريا اهتمت به الدولة في السابق أو ترغب في الاهتمام به في الوقت الراهن، وما نجده هو إصرار بعض المسؤولين على طمس هذه المآثر ومحوها من الوجود...
والملاحظ هو تنامي أصوات الباحثين والمهتمين ونشطاء الجمعيات المدنية والإعلام... للمطالبة بضرورة الحفاظ على المآثر التاريخية واستقراءها وصيانتها واستثمارها في مشاريع التنمية المتوازنة. فالتراث التاريخي لا يربط الإنسان بماضيه ويجعله يتعرف على حضارة أجداده وإنجازاتهم فحسب، بل أضحى رقما مهما في معادلة التنمية، فهو أولا ينمي وعي الإنسان بذاته ويدفعه إلى التشبث بهويته وثانيا يساهم في تنمية الموارد الاقتصادية عبر تشجيع السياحة الثقافية مثلا، لذلك نجد الدول التي تحترم ماضيها وتاريخها تعمل جاهدة على صيانة ذاكرة شعوبها وإبراز مقوماتها الثقافية والحضارية خدمة لحاضرها ومستقبلها. لنتأمل موقع مدينة بادس التي قيل أنها بنيت قبل الإسلام ثم أعيد بناؤها زمن إمارة انكور، ماذا تبقى منه؟ أسوار تحدت التخريب وعوادي الزمن، ولنستحضر مصير مدينة انكور أول حاضرة بنيت بالريف بعد اعتناق الريفيين للدين الإسلامي والتي أتى السد الذي تم تشييده في أواخر السبعينيات على ما تبقى منها، ولنتتبع حال القلع البرتغالية بمنطقة الطوريس وحال البناية التي شيدت مكان المقر الرئيسي للمقاومة الريفية بأجدير وقلعة ثازوذا بالناظور والقصبة الحمراء برابع ن توراث ومحكمة الأمير بترجيست، ومآل عدد من المساجد القديمة والأضرحة... لنمعن النظر جيدا في هذه المآثر، ماذا سنلاحظ؟ الطمس والإهمال وعدم الاكتراث واللامبالاة!!! من المسؤول؟ السلطات، القائمين على شؤون الثقافة، المجالس "المنتخبة"، الجمعيات المدنية، الإعلام، الباحثون والمهتمون... فعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته. بعدما قررت الدولة تفويت الشريط الممتد من شاطئ اصفيحة حتى اسواني للمجموعة العامة العقارية ( CGI) التابعة لصندوق الإيداع والتدبير (CDG) لإنجاز مشروع قيل أنه سياحي، أصبح ما تبقى من معالم وأطلال مدينة المزمة مهددة بالاندثار، تحركت الجمعيات ومعها بعض وسائل الإعلام، نظمت زيارات إلى عين المكان، تمت مراسلة مسؤولين وأجريت لقاءات، اقترح نشطاء الجمعيات صيغا للحفاظ على الموقع وطالبوا باتخاذ التدابير اللازمة قبل الشروع في الأشغال، تشبثت الشركة المستثمرة بمشروعها وحاولت أن توهم الفاعلين بأنها ستحافظ على الموقع بالحفاظ على الأسوار التي لا زالت قائمة فيه، وهي بذلك تختصر موقعا أثريا رئيسيا ومهما كان في الأصل مدينة تحتل مساحة قد تتجاوز 15 هكتارا وتتضمن العديد من المرافق والمحلات والسكنات والسراديب والمطامير... وكان فيها المرسى الرئيسي لإمارة انكور، إلى مجرد بناية لا يتجاوز مساحتها بضع مئات من الأمتار المربعة. وما نستغرب له هو أن الجهات المعنية التي تمت مراسلتها من قبل مجموعة الجمعيات المدنية المتابعة لملف مدينة المزمة التاريخية، لم تكلف نفسها عناء الرد عن هذه المراسلات وبالأحرى العمل من أجل حماية الموقع، صحيح أن السيد والي جهة تازة الحسيمة تاونات اهتم بالموضوع وعقد لقاء عبر فيه عن رغبته في متابعة الملف وإعادة تثمين الموقع، لكن بقية المسؤولين لم يقدموا حتى اللحظة على أية خطوة، فوزارة الثقافة لم تعمل على إجراء مسح أركيولوجي للموقع، ورئيس المجلس القروي لجماعة أيت يوسف وعلي اعتبر التحركات التي تقوم بها الجمعيات المدنية عبثا في عبث (كذا)... ونود أن نؤكد في نهاية هذا المقال المتواضع، أن زمن السكوت عن الجرائم التي ترتكب في حق المآثر قد ولى، وأن المهتمين والباحثين ونشطاء الجمعيات لبالمرصاد لكل المحاولات التي تستهدف طمس معالمنا الحضارية ومآثرنا التاريخية.
من إعداد: عمر لمعلم رئيس جمعية ذاكرة الريف
|